ضد الظلام.. في مواجهة اللامعنى، برفقة فلسفة ستاس
- HD
- 30 مايو 2021
- 4 دقيقة قراءة
الإنسان الحديث يواجه تطور مستمر بالإحساس باللامعنى ،اللاجدوى و العدمية، بعض المفكرين يعزو ذلك لابتعاد الانسان عن الاله بعد نهضة العلم الواسعة، فهو يعاني من أزمة دينية على نحو ما، فقد تخلل فكرنا اشياء كثيرة من العدمية والتخاذل واحساس بعدم أهمية للعمل الخلاق مع ما نعيشه الآن من حضارة تقنية متقدمة مما سمح للتخاذل النفسي ان يسيطر شيء ما على أيامنا.
يصحو الانسان تائها من قيمه الحقيقية مواجها العلم اللذي يصفه بالـ"سلبي" وانه نتاج عملية ارتقاء ميكانيكية "اعمى يرغب في العيش مقيدا بالاختيار الطبيعي". وهو امام تناقض إحساس وجوده كمخلوق من أوهام مع حقيقة الأشياء الباهرة التي تتطور بسرعة من حوله، فهناك "سأم" و "دهشة" معاً ..فيحدث في الناتج هذا التطور في الاحساس (بأن لا شيء يمكن عمله) و ان (لاشيء يستحق العمل)... لكن هل هذا يعني ان الحل لمشكلة اللامعنى يتمثل في العودة للإطارالديني فقط؟
البروفسور ستيس قام بتحليل هذه المعضلة في مقاله "رجال ضد الظلام"، حيث انه وافق القائلين بأن مايواجهه الانسان هو نتيجة ابتعاده عن الاله ولكن هو بذاته يقول ايضا " انا لا اؤمن بدين من الاديان"..

والتر تيرينس ستيس (1886-1967) كان موظف حكومي بريطاني ومعلم وفيلسوف كتب عن هيجل والتصوف. في "رجل ضد الظلام" (1948) ، يدعي ستيس أن فقدان الإيمان بالله والدين هو المسؤول عن الحالة المحيرة للعالم اليوم. إن فقدان الإيمان الديني أمر محبط لأنه يتركنا بدون سقالة نبني عليها الأخلاق. لكنه يتفق أيضًا مع سارتر ورسل - لا توجد آلهة ، ولا يوجد مصدر للأخلاق ، ونحن نعيش في عالم بلا هدف وغير مبال بقيمنا. وبالتالي فإن القيم الوحيدة الممكنة للبشر هي القيم التي يخلقونها.
غرضيّة العالم
تناول ستيس في المقال فكرة برتراند راسل التي نادى بها وهي " موت الاله"، يعتقد راسل أن الدين يضر أكثر مما ينفع وأن زوال الدين سيكون نعمة للإنسان. يشدد على أن الإنسان وحيد في العالم. كما انه يقول ان العلم سلب الناس ايمانهم بالدين. يشرح ستيس هذه الفكرة بأن العلماء لا يشغلون بالهم او يهتمون بأسئلة مثل هل يوجد اله؟ او ما معنى الحياة؟ إنهم مهتمون فقط بفهم العمليات وليس الأغراض. إنهم يسألون أسئلة تبدأ بكيف وليس لماذا..
اختفاء الاهداف
ثم ذهب ستيس الى مناقشة افكار مؤسسي العلم الحديث (جاليليو وكبلر ونيوتن)
"كانوا في الغالب من الرجال الأتقياء الذين لم يشكوا في مقاصد الله ومع ذلك فقد اتخذوا الخطوة الثورية بوعي وطرد متعمد لفكرة الهدف باعتباره طبيعة متحكمة من علم الطبيعة الجديد. فعلوا ذلك مستندين على اساس ان التساؤل عن الغاية غير مجدي لما يصدق عليه العلم: ألا وهو التنبؤ والسيطرة على الأحداث. للتنبؤ بالكسوف ، ما عليك أن تعرفه ليس هوالغرض ولكن أسبابه. ومن هنا منذ القرن السابع عشر فصاعدًا أصبح العلم محصورا في التحقيق في الأسباب. مفهوم الهدف في العالم تم تجاهله واستهزاءه".
و بعد ان جرت الحياة على طريقة التوجه الثوري هذا اللذي احدث فرقا فكريا تاريخيا لمئات السنين، حدث هناك نمو في العقول المسيطر عليها من قبل العلم، اصبح هناك صورة خيالية جديدة للعالم. العالم حسب هذه الصورة الجديدة ، بلا هدف ، بلا معنى. الطبيعة ليست سوى مادة في حركة. حركات المادة محكومة ، ليس بأي غاية ، ولكن بواسطة قوى وقوانين خفية.
الإنسان والنظام الاخلاقي
ما ان غلبت سيطرة العلم، ضاعت الاخلاق والمبادئ و القيم، اذ كانت تستمد من اساس ان هناك هدف كوني وان في طبيعة الاشياء قوى تدفع الى الخير. فقيل : إذا لم تعد قواعدنا الأخلاقية تنطلق من شيء خارجنا في طبيعة الكون - سواء قلنا أنه الله أو ببساطة الكون نفسه - إذًا يجب أن تكون من اختراعنا. وتم التوصل الى فكرة ان القيم والاخلاق نسبية لانها صادرة من "مايعجبنا ومالا يعجبنا" وهذا يتفاوت من شخص الى آخر.
انعدام الحرية
بعد ان ناقش ستيس تبعات انهاء الربط التاريخي للاخلاق والمبادئ بالدين بواسطة العلم، ذكر تبعه اخرى لسيطرة العلم الحديث وهي انعدام الايمان بالحرية
" هذا أيضًا هو ثمرة الروح العلمية ، وإن لم يكن لاكتشاف علمي معين. تم بناء العلم على أساس الحتمية ، وهي الاعتقاد بأن كل حدث يتم تحديده تمامًا من خلال سلسلة من الأسباب وبالتالي يمكن التنبؤ به نظريًا مسبقًا. صحيح أن الفيزياء الحديثة تواجه تحديا في هذا على ما يبدو. ولكن حتى الآن ، من الناحية العملية بالنسبة للعواقب ، فقد حدث الضرر منذ فترة طويلة."
قيل إن افعال رجل هي -أحداث- في العالم الطبيعي مثلها مثل -كسوف الشمس-. مما يعني أن أفعال الانسان هي من الناحية النظرية يمكن التنبؤ بها كالكسوف. ولكن إذا كان من المؤكد الآن أن الرجل س سيغتال الرجل ص الساعة 2:15 مساءً. في 1 يناير 2000 م ما هو المعنى المحتمل الذي يمكن أن يقول انه عندما يحين ذلك الوقت سيكون س حر في اختيار ما إذا كان سيرتكب جريمة القتل أم لا؟ وإذا لم يكن حر كيف يمكن تحميله المسؤولية؟"
واعتقد ان ستيس يحاول ان يبين خطورة انعدام الاحساس بالمسؤولية عند الانسان واللذي قد يحدث بسبب الاعتماد على مخرجات نهضة العلم. وكيف سيؤثر ذلك على تصرفاته و قيمه و اندفاعه للحياة؟ ان لم يكن اساسا مسؤولا عنها؟
اذا العودة للدين؟
نفى ستيس الفكرة القائلة ان الحل يكمن في العودة للدين و الذين يؤمنون بذلك لم يفهموا حقيقة اننا امام ازمة فريدة تاريخيا، فبعد ان تهااوت ديانات اليونان ابتلعت المسيحية معابدهم ولو لم توجد المسيحية لفعلت ذلك الديانة الفارسية
"الاديان تتوقف على احساس الانسان انه مخلوق وان العالم ذو هدف يتجاوز فهمه" فتقدم العلم وحطم تلك القاعدة و يرى ستيس انه ليس بالشيء السيء على المدى البعيد لأن الدين هو "الوهم الاكبر"
لكن لم يكن لدى ستيس جواب محدد هو الآخر بل هو يعترض على فكرة ان على الانسان الاعتماد على العلم لينقذه ويعتقد ان ذلك في منتهى السذاجة.
النتيجة
إن على الانسان ان لايتخلى عن اوهامه التي تشحنه بالسعادة، تلك الاوهام المتعلقة بالحب والشهرة و العظمة و الثروة والارتقاء الاجتماعي، لكن عليه أن يعيش الحياة نظيفا، حضاريا، منطلقا.
لكنه يوضح ايضا ان ذلك لا يضمن حياة سعيدة انما حياة مريحة
لن أدعي هنا ان حياة كهذه ستكون مليئة بسعادة غامرة. لكن عيش الحياة بهدوء مريح يأتي مصحوبا بالرضى دون توقع المستحيل و بالامتنان للنعم الصغيرة.
يقول ستيس في نهاية مقاله اذا لم تستطع ان تتعلم تطبيق ذلك فإنك ستغرق في "موضع وضيع بين الحيوانات المنحطة!" وان ليس هناك من بديل كإجابة يعاش بها الحياة.



تعليقات